الدكتور ليث عبدالله القهيوي
لم تعد القضية بالنسبة إلى الصين اليوم هي كيف تحقق نموًا أسرع، وإنما كيف تبني قدرة أعمق وأكثر استدامة على النمو والتأثير والتجدد.
وهذا التحول، في جوهره، قد يكون أكثر أهمية من كثير من الأرقام الاقتصادية التي ارتبطت بالصين خلال العقود الماضية.
فالصين التي عُرفت طويلًا بأنها مصنع العالم، وأصبحت خلال عقود قليلة واحدة من أكبر الاقتصادات وأكثرها ارتباطًا بالتجارة العالمية، تدخل الآن مرحلة مختلفة من تاريخها الاقتصادي والتنموي؛ مرحلة لا يكون فيها حجم الإنتاج وحده كافيًا، ولا سرعة النمو وحدها معيارًا للنجاح، بل تصبح القدرة على الابتكار، وإنتاج التكنولوجيا، وتطوير رأس المال البشري، وبناء صناعات المستقبل، وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية، هي جوهر المنافسة الجديدة.
ومن هنا يمكن فهم المرحلة الصينية الراهنة باعتبارها انتقالًا من اقتصاد السرعة إلى اقتصاد القدرة.
لقد كان النمو السريع في مراحل سابقة وسيلة لبناء قاعدة اقتصادية وصناعية هائلة. أما التحدي الآن فهو استخدام هذه القاعدة لإنتاج نموذج أكثر تقدمًا، أقل اعتمادًا على المحركات التقليدية، وأكثر قدرة على التعامل مع عالم يتغير بسرعة.
وهذا بالضبط ما يجعل بداية الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين، للفترة 2026–2030، لحظة مهمة في قراءة الاتجاه الصيني. فالأهداف المعلنة تضع الابتكار العلمي والتكنولوجي في قلب التنمية، مع التركيز على الصناعات الناشئة والمستقبلية، وتعزيز الاقتصاد الرقمي، وتطوير القدرات التكنولوجية في المجالات الأساسية. كما تستهدف الصين زيادة الإنفاق على البحث والتطوير بمعدل سنوي لا يقل عن 7% خلال الفترة، ورفع القيمة المضافة للصناعات الأساسية للاقتصاد الرقمي إلى 12.5% من الناتج المحلي الإجمالي.
لكن الأهم من هذه الأرقام هو ما تعنيه سياسيًا واقتصاديًا.
إنها تعني أن الصين لا تنظر إلى التكنولوجيا باعتبارها قطاعًا جديدًا يضاف إلى الاقتصاد، وإنما باعتبارها البنية التي سيعاد من خلالها تشكيل الاقتصاد كله.
ولهذا تتقدم في الخطط الصينية قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، وأشباه الموصلات، والطاقة الجديدة، والمواد المتقدمة، والتصنيع الذكي، والتكنولوجيا الحيوية، والفضاء، إلى جانب مجالات مستقبلية مثل الحوسبة المتقدمة، والذكاء الاصطناعي المجسد، وتقنيات الجيل السادس.
وهنا تظهر نقطة تستحق التوقف.
الدول التي بنت قوتها في القرن العشرين من خلال الموارد أو التصنيع أو التجارة، ستواجه في القرن الحادي والعشرين سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل تستطيع أن تجدد مصادر قوتها باستمرار؟
القوة الاقتصادية لم تعد أصلًا ثابتًا.
يمكن أن تتراجع ميزة صناعية إذا تغيرت التكنولوجيا، ويمكن أن تفقد دولة موقعًا في سلسلة إنتاج إذا ظهرت تقنية جديدة، ويمكن أن يتحول سوق كامل خلال سنوات قليلة بفعل الذكاء الاصطناعي أو الطاقة الجديدة أو الأتمتة.
لذلك فإن الميزة الحقيقية لم تعد امتلاك صناعة قوية فقط، بل امتلاك منظومة قادرة على تطوير الصناعة نفسها باستمرار.
وهذا ما يجعل الاستثمار الصيني في البحث والتطوير والجامعات والموهبة والتصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي جزءًا من معادلة واحدة.
إنها محاولة لبناء اقتصاد لا يكتفي بإنتاج ما يحتاجه العالم اليوم، وإنما يستطيع إنتاج ما سيحتاجه العالم غدًا.
وفي هذا التحول، يبرز مفهوم صيني متزايد الأهمية هو «القوى الإنتاجية النوعية الجديدة»، وهو مفهوم يرتبط بدمج الابتكار العلمي والتكنولوجي مع الصناعة، وتحويل التقنيات الجديدة إلى محركات للنمو. وقد أصبح تطوير هذه القدرات أحد المحاور الأساسية في التوجه الصيني للفترة 2026–2030.
لكن التحول لا يتوقف عند التكنولوجيا.
فالصين تعمل أيضًا على إعادة النظر في مصدر الطلب نفسه.
فبعد عقود كان فيها الاستثمار والتصنيع والتجارة الخارجية من المحركات الأساسية للنمو، تزداد أهمية السوق المحلية والاستهلاك والخدمات باعتبارها محركات أكثر استدامة. وفي يوليو 2026 أقرت الصين خطة للفترة 2026–2030 تستهدف تعزيز الاستهلاك، وتوسيع استهلاك الخدمات، ودعم أنماط جديدة من الاستهلاك الرقمي والأخضر والتجريبي.
وهذا التحول مهم لأنه يعني أن الصين لا تبني فقط قدرة على الإنتاج، وإنما تسعى أيضًا إلى بناء قدرة أكبر على خلق الطلب.
وهنا تكتمل صورة الاقتصاد الجديد.
الإنتاج المتقدم يحتاج إلى التكنولوجيا، والتكنولوجيا تحتاج إلى المعرفة، والمعرفة تحتاج إلى الإنسان، والإنسان يحتاج إلى سوق قادر على استيعاب الابتكار وتحويله إلى قيمة.
وبذلك تتحول التنمية من سلسلة منفصلة من القطاعات إلى منظومة متكاملة.
ومن الخطأ، في تقديري، أن تتم قراءة هذه التحولات الصينية باعتبارها استجابة قصيرة المدى لضغوط اقتصادية أو منافسة دولية فقط.
فالتخطيط الصيني يمتد إلى ما هو أبعد من دورة اقتصادية واحدة. والخطة الجديدة تربط بين تطوير الصناعات المستقبلية، وتعزيز السوق المحلية، وبناء القدرات التكنولوجية، وتحديث الصناعة، وتطوير البنية التحتية، وتحسين جودة النمو. كما أن الحكومة الصينية تدفع باتجاه تطوير شبكات جديدة تشمل الطاقة والمياه والحوسبة والاتصالات واللوجستيات، بما يعكس تصورًا للبنية التحتية باعتبارها أساسًا للاقتصاد المقبل، لا مجرد دعم للنشاط الاقتصادي الحالي.
وهنا ربما تكمن إحدى أهم خصائص التجربة الصينية: النظر إلى الاقتصاد باعتباره مشروع قدرة وطنية طويل الأمد.
فالاقتصاد ليس مجرد أرقام للناتج المحلي، بل قدرة على الإنتاج، والابتكار، والتكيف، وتوفير الطاقة، وحماية سلاسل الإمداد، وتطوير المواهب، وخلق أسواق جديدة، وتحويل المعرفة إلى صناعة.
وهذا يقودنا إلى سؤال أكبر:
ماذا سيحدث عندما تصبح الصين أقل اهتمامًا بمجاراة نماذج النمو التقليدية وأكثر اهتمامًا ببناء نموذجها الخاص للمرحلة المقبلة؟
الإجابة لن تظهر في الصين وحدها.
ستنعكس على العالم كله.
فكلما تغيرت بنية الاقتصاد الصيني، تغيرت معها طبيعة الطلب العالمي، وسلاسل الإمداد، وأسواق التكنولوجيا، والطاقة، والنقل، والصناعة، والاستثمار.
والدول التي تتعامل مع الصين باعتبارها مجرد سوق ضخمة أو مصدرًا للاستيراد ستفوت جانبًا أساسيًا من التحول.
أما الدول التي تفهم الصين باعتبارها منظومة اقتصادية وتقنية تتغير من الداخل، فستكون أكثر قدرة على بناء علاقات اقتصادية جديدة معها.
وهنا تحديدًا تبرز أهمية العالم العربي.
فالمرحلة المقبلة لا ينبغي أن تقوم فقط على استيراد التكنولوجيا الصينية أو جذب المنتجات والاستثمارات، بل على بناء شراكات تنتقل إلى البحث والتطوير، والتصنيع، ونقل المعرفة، وتطوير المهارات، وربط الأسواق، وإنتاج حلول مشتركة في الطاقة والمياه والغذاء والمدن الذكية والاقتصاد الرقمي.
إن التحول الصيني يفتح نافذة جديدة أمام المنطقة، لكن الاستفادة منها لن تكون تلقائية.
فالفرص لا تذهب دائمًا إلى من يملك الموارد، وإنما إلى من يملك القدرة على تحويل الموارد إلى قيمة.
وهذا درس يتجاوز الصين نفسها.
في عالم يتحرك من اقتصاد المعرفة إلى اقتصاد الذكاء، ومن الإنتاج التقليدي إلى الإنتاج الذكي، ومن المنافسة على الأسواق إلى المنافسة على القدرات، تصبح الدول أمام سؤال جديد: ماذا تستطيع أن تنتج بعد عشر سنوات، وليس فقط ماذا تنتج اليوم؟
الصين بدأت، بوضوح، في بناء إجابة لهذا السؤال.
إنها لا تكتفي بتطوير اقتصاد أكبر، وإنما تسعى إلى تطوير اقتصاد أكثر قدرة على التجدد.
وهنا تكمن أهمية المرحلة الجديدة.
فالصين التي بنت قوتها خلال العقود الماضية من خلال العمل والاستثمار والإنتاج والتجارة، تدخل الآن مرحلة يصبح فيها العلم والتكنولوجيا والإنسان والذكاء الاصطناعي والصناعة المتقدمة هي الأدوات الأساسية لصناعة النمو المقبل.
ولهذا فإن قراءة الصين في السنوات القادمة لن تكون قراءة لمعدلات النمو فقط.
ستكون قراءة لقدرتها على تحويل المعرفة إلى قوة إنتاجية، والتكنولوجيا إلى صناعة، والصناعة إلى قيمة، والسوق إلى ابتكار، والإنسان إلى محرك مستدام للتنمية.
وهذا هو الفارق بين دولة تنمو، ودولة تبني قدرتها على النمو.
والصين اليوم لا تبدو منشغلة فقط بأن تكون أكبر.
إنها تعمل على أن تكون أكثر قدرة على الاستمرار والتجدد وصناعة المرحلة المقبلة.
ومن هنا يبدأ الفصل الجديد من التجربة الصينية:
ليس فصل اقتصاد السرعة…
بل فصل اقتصاد القدرة.

التعليقات (0)
كن أول من يعلّق.